هل العطاء مُر؟

المقدمة:

عندما كنت صغيرة كان هناك كرتون يعجبني وكان اكثر ما احبه فيه هو أنه في كل حلقة يتحدث عن قصة شخص مختلف وكان من اكثر الحلقات التي اثرت علي تتحدث عن فتاة فقيرة كان كل ما معها هو قطعة خبز ووشاح وملابسها التي ترتديها فمرت على محتاج فأعطته قطعت الخبز التي لديها ثم مشت قليلاً ووجدت امرأة عجوز فأعطتها وشاحها وبعدها وجدت طفلة لا تملك ملابس فأعطتها لباسها ثم بقيت هي بلا طعام وبلا لباس وبعدها اتت ساحرة وكافأتها على عطائها هذا بمأوى وملابس وكل ما تشتهيه نفسها 

ولكن هذا فتح باباً من التساؤلات في عقلي هل هكذا يكون العطاء؟ وهل من المنطق أن يتجرد الشخص من كل ما يملك ويبقى مخذولاً وحيداً ينتظر تلك الساحرة التي ستعوضه هل هذا منطق سليم تعاش به الحياة أم أنه منطق خيالي صدر من شخص افلاطوني لا يدرك الواقع هذا ما سنتحدث عنه في هذه المدونة:

المحور الأول: ماذا لو تغيرت نهاية القصة؟

ماذا لو تغيرت نهاية القصة ولم تظهر تلك الساحرة لتساعد هذه الفتاة فكان سيكون مصيرها  هو الموت ستموت وحيدة ومخذوله تنتظر العوض من مجهول قد يأتي وقد لا يأتي ورغم أن العوض الذي تنتظره كان معها من البداية ولكن هي من آثرت احتياجات الآخرين على احتياجاتها هي من قررت أن تترك ما بين يديها وتموت هي التي قررت أن تتخلى عن كل شيء وتنتظر شخص يعطيها كل شيء مثل ما هي اعطت كل شيء ولكن هل هذا حقاً تفكير سليم؟

 في حالتها لو تغيرت نهاية القصة لا اظنها ستفكر هل ما فعلته سليم ام لا؟ هل علي أن ابحث لي عن ملابس وطعام ام ابقى وانتظر؟ هي فقط ستجلس وتلوم الناس وتقول اعطيتهم ولم يعطوني اين عوضي وسيتكون لديها مشاعر كره للمجتمع

 ولو افترضنا انها عافرت وعاشت ستتحول من اكثر شخص كان معطاء ورحيم لأكثر شخص وقح و شرير وهذا التحول حصل لديها بسبب انها ذاقت مرارة العطاء ولكن هذا يقودنا لسؤال آخر هل العطاء مر ام أن تعاملها مع العطاء هو الذي جعله مر؟

 نحن نقامر بأنفسنا عندما ننتظر العوض ونقامر بأنفسنا عندما نعطي كل شيء وننتظر من الناس ايضاً أن يعطونا كل شيء ولكن مهما تبدلت الفصول وتغيرت السنوات هناك حقيقة واحدة ثابتة لا تتغير لا يوجد شخص سيعطيك كل شيء معه فقط لانك انت اعطيته كل شيء معك واخبرك ايضاً أن تصرفه هو الصحيح وتصرفك هو الخطأ

واعتقد أن التصرف الخطأ هذا لاقى رواجاً لانه تم تصنيفه كفضيلة وتم تصنيفه على انه قمة الحب والعطاء ولكن هل هو فعلاً قمة الحب والعطاء أم أنه قمة الخذلان الذي تقدمه لنفسك ولمن تحب؟

المحور الثاني:لماذا العطاء المبالغ فيه هو قمة الخذلان؟

عندما تعطي كل ما لديك أنت هنا تؤذي نفسك ومنذ متى اصبح ايذاء النفس فضيلة ويرمز للحب والعطاء 

تخيل أنك تعيش مع شخص كلما اراد أن يعبر لك عن حبه جرح نفسه هل ستشعر بالامان والراحة معه أم أنك ستخاف من هذا الحب في حالة الانسان السليم سيخاف من هذا الحب

 وفي حالة الشخص المختل سيرى الأمر وكأنه انتصار له ففي كل مرة سيعرض ذلك الشخص المليء بالجروح امام الناس ويقول انظروا لفلان هذا ما اعظم حبه لي وسيظن ذلك المجروح أن جروحه وسام شرف له ودليل حبه ولكن وعندما لا يبقى في جلده موضع سليم سيتخلى عنه ذلك المختل ويبحث عن شخص اخر يتغذى عليه وأما ذلك المحب المليء بالجروح سيبقى وحيداً ومجروحاً ومتألماً ومخذولاً وسيعرف أن تلك الجروح لم تكن وسام شرف ولن تكون كذلك بل ستكون كما هي جروح مؤلمة وموجعة

وما اعظمها من خسارة تلك الخسارة التي يخسر فيها الانسان نفسه متبجحاً باسم الحب 

لهذا في كل مرة تعطي عطاءً فوق طاقتك أنت هنا تشبه ذلك الذي يجرح نفسه من اجل من يحب فإن كنت مع شخص سليم نفر وخاف من هذا العطاء وأن كنت مع مختل استنزفك حتى اخر رمق ورماك

الخاتمة:

في نهاية المطاف تذكر عزيزي القارئ أن نفسك هي الأمانة التي سيحاسبك الله عليها فقبل أن تعطي فكر هل هذا العطاء الذي ستقدمه سيضر هذه الأمانة التي لديك أم لا

لا اعلم ما هي النقطة التي غفلنا عنها وجعلت التضحية بالنفس هي قمة العطاء ولكن اعلم يقيناً انها لم تكن نقطة في يوم من الايام انما هي نتيجة تراكمات من التربية ومن قصص الطفولة التي نسمعها لكن كل ما علينا الان هو أن نقدر الامانة التي بين يدينا وأن لا نورث هذه الافكار المغلوطة لأبنائنا وأن نحرر انفسنا منها

وايضاً اذكركم اعزائي القراء أن العالم لا يحتاج الى مضحين محطمين بل يحتاج إلى اصحاء اشخاص لا يكونون شمعة ليضيئوا عتمة الاخرين بل لديهم من الشموع ما يكفي ليعطوها الاخرين

 وأن كنت لا تملك الا شمعتك فحافظ عليها وتذكر أنك إن لم تملك شموعاً فائضة فأنت لن تعاقب لأن هذا الامر ليس بيدك ولكن ستعاقب عندما تعطي شمعتك الوحيدة التي تضيء عتمتك لشخص آخر لأنك هنا تكون قد ظلمت نفسك.

وشكراً لحسن قراءتكم

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يحافظ الإنسان على وهجه وبريقه في ظل منعطفات الحياة؟

لماذا قُتلَ ابن عرس؟