كيف يحافظ الإنسان على وهجه وبريقه في ظل منعطفات الحياة؟

المقدمة:

كنت سابقاً ارى إحدى فتيات الاسرة واقول في نفسي أنها موهبة وانها ستكون مختلفة عن محيطها كانت مميزة ولديها الكثير من المواهب حتى تخصصها كان مميز ولا يدخله الكثير وكانت ذات شخصية جميلة

ولكن مع منعطفات الحياة توفيت والدتها وكانت شديدة التعلق بوالدتها وانتكس حال الفتاة انطفت بشكل كامل

 اعتقدت بما انها متعلقة بوالدتها فسيكون الامر سنة او سنتين وستتخطى الأمر ويعود وهجها 

ولكن مرت سنوات كثيرة ولم يعُد لها ذلك البريق والوهج انطفأت روحها

فقادني هذا المشهد لسؤال وجودي نحن كبشر نعيش على هذه الارض نمر بمنعطفات وظروف كثيرة فكيف يحافظ الإنسان على وهجه وبريقه في ظل هذه التقلبات؟ وما هي المسلمات التي يرتكز عليها الانسان ليحافظ على بريق روحه​؟

المحور الأول:لماذا ننطفئ؟

بطبيعتنا عندما نرى انسان طال انطفاؤه وطال حزنه اول ما يخطر على بالنا أنه ضعيف شخصية وقليل حيلة ونبدأ نقول لشخص المنطفئ

 انظر إلى فلان ابن فلان ذاك توفيت اسرته كلها ومع ذلك انظر له لا يزال سعيد ولم يغرق في حزنه

 وهذا الكلام سمعته كثيراً يقال لتلك الفتاة والقائل ينوي المواساة ولكنها ليست مواساة

 فحزن فلان ابن فلان ذاك يختلف عن حزنها ولكن ما المختلف؟ لماذا تجاوز فلان ابن فلان تلك الصدمة بينما علقت الفتاة في تلك الصدمة واصبح اخر ذكرى سعيدة لها قبل وفاة والدتها واصبح عقلها ووجدانها عالقين هناك؟ 

الاختلاف كان في عمقين لا يراهما الناس من الخارج/

١-اختلاف المفقود

الناس يظنون أن الصدمة واحدة ولكن لا يدركون أن المفقود يمثل شيئاً مختلفاً لكل شخص

فذلك فلان ابن فلان الذي فقد كل اسرته وتجاوز الأمر ولم يغرق في حزنه وينطفئ كان مفهوم الامان موزع عنده منذ الطفولة على مساحات متعددة فهو لا يرتكز على شيء واحد فقط وينظر لنفسه من خلاله بل لديه عدة اشياء تعطيه شعور الامان

أما في حالة الفتاة فأمها لم تكن مجرد فرد من اسرتها بل كانت عالمها كله كانت امها مرآة لها ترى فيها انها متميزة وموهوبة وجميلة 

وكانت والدتها لها درعاً يحميها من قسوة المحيط فعندما غابت الأم لم تفقد الفتاة شخصاً تحبه فقط بل فُقد الامان وفُقد الدرع وفُقدت المرآة وكل هذه الامور كانت الفتاة تبني هويتها عليها  لهذا بعد وفاة والدتها انطفأت ليس لأنها ضعيفة بل لأن الركيزة الوحيدة التي ترتكز عليها اختفت فجأة

٢-اختلاف العتاد الداخلي 

فالنتيجة النهائية التي يراها الناس شخص صامد وشخص منطفي ولكن كان هنالك تاريخ طويل من التراكمات النفسية التي تسبق الصدمة 

ففلان ابن فلان قد يكون مر بصدمة وفاة اسرته وهو في ذروة توازنه النفسي ولديه معرفة في كيفية التعامل مع الصدمات 

أما في حالة الفتاة فهي قد تكون واجهت الصدمة وهي مستهلكة نفسياً وليس لديها معرفة عن كيفية التعامل مع الصدمات وقد يكون عمرها النفسي اصغر من العمر النفسي لفلان ابن فلان وهذا يعود لاختلاف التربية والبيئة التي نشأ فيها

خلاصة الكلام أن هنالك ارواح تتلقى الصدمات وهي داخلياً لديها دروع وعتاد وهنالك اروح تتلقى الصدمات وهي فارغة تماماً لا تملك عتاد وهذا يعود لطبيعة التنشئة

المحور الثاني:المسلمات

إذن كيف يتجاوز الانسان هذه التقلبات والمنعطفات دون أن يفقد بريقه؟

الإجابة هنا تكمن في المسلمات التي يغرسها الإنسان في نفسه لتكون له حبل نجاة عندما تهتز من تحته الأرض إذن ما هي هذه المسلمات؟

اولاً/مسلمة الزوال

هذه مسلمة نعرفها كلنا منذ الصغر ولكن نظن أنها بعيدة عنا وعن حياتنا وهذا ما يكسرنا لهذا اجعلها في عقلك أن هذه الارض دار ممر لا دار قرار وكل شيء في هذه الدنيا مصيره الزوال 

فعندما تمر عليك منعطفات الحياة وهذه المسلمة حاضره في عقلك لن تتعامل مع تلك الصدمة كأنها نهاية العالم بل ستتعامل معها كأنها منعطف من منعطفات الحياة وليست النهاية

ثانياً/مسلمة الهوية والادوار

هذه المسلمة هي من صميم العقيدة الاسلامية وتنص على الآتي نحن في هذه الدنيا نعيش ادواراً مؤقتة ومتغيرة مثل كوننا ابناء أو اباء أو اننا اصحاب تخصصات ومواهب ولكن هويتنا الحقيقية والراسخة هي عبوديتنا لله  

المعضلات النفسية والانطفاء الطويل يحدثان عندما تغيب هذه المسلمة عن بالنا ويجعل الأنسان هويته بالكامل في دور واحد متغير

وهذا ما حدث لتلك الفتاة حيث انها جعلت قيمتها و وجودها في كونها ابنه لهذه الأم فعندما توفت الأم ظنت الفتاة أن قيمتها و وجودها قد انتهى

إن من علامات صحة الروح وحياة القلب ألا يعلق المرء قلبه بمخلوق يزول بل أن يعلق قلبه وروحه بالحي القيوم الذي لا يزول

ثالثاً/مسلمة الابتلاء

عندما ننظر لابتلاءاتنا في هذه الحياة بعين العدو أي عندما ننظر لها كأنها عدو انقض علينا واهلك سعاتنا هنا ننطفئ ولكن عنما ننظر لها بعين المعلم أي أن هذه الابتلاءات والآلام اصابتنا لا لتميتنا بل لتعلمنا ونخرج منها بنسخة انضج واوعى من نسختنا السابقة 

فالابتلاءات في هذه الدنيا لا تأتي لتهدمنا بل لتنزع عنا القشور السطحية وتجعلنا نرى العمق ونرى إلى أين كنا نتجه؟وعلى ماذا كنا نرتكز؟

ولو أن تلك الفتاة استطاعت رغم مرارة الفقد أن ترى أن وفاة والدتها كانت منعطفاً من منعطفات الحياة تتعلم منه كيف أن تكون هي نفسها درعاً ومرآةً لنفسها لاستطاعت أن تتجاوز فقدها لوالدتها 

المحور الثالث:خطوات لإعادة وهجنا

إن الحفاظ على وهجنا في ظل هذه التقلبات لا يعني أن نبتسم قسراً أو ندعي القوة وقلوبنا تنزف بل يعني المرونة في التعامل مع واقعنا الجديد

-إعادة تعريف التخطي

عندما نمر بمنعطفات في الحياة وبعدها ننتظر أن نعود إلى ما كنا عليه سابقاً هنا نقع في خطأ كبير لأن المنعطفات والصدمات تغير تركيبتنا النفسية

لذا التخطي الحقيقي هو عندما نسمح لنسختنا القديمة أن تموت بسلام ولا ننتظر عودتها بل نبدأ بتعامل مع نسختنا الجديدة التي تشكلت بعد هذا المنعطف 

-التعلق بالله

لتستعيد وهجك حقاً ابحث اكثر وتعلم اكثر كيف تجعل قلبك معلق بالله ابحث في اسماء الله وصفاته وتعمق بالقرآن اكثر 

-اعطاء الحزن حقه دون أن يتملكك

احزن وابكي ولكن لا تستسلم لحزنك وتغرق فيه مما يوصلك لإضاعة حياتك ونفسك

الخاتمة:

في النهاية لا يوجد إنسان لم يمر بمرحلة انطفاء فهو أمر سيأتي للجميع ولكن ليس الجميع يتخطى هذا الانطفاء فكثير من الناس يغرق عند ذكرى معينة ولا يتخطاها وتصبح هي حديثه في كل مجلس وتنطفئ روحه واحلامه ولكن ليس هكذا تورد الابل وليس هكذا تعاش الحياة الطبيعية

 لهذا ما دمت الآن بعافيتك ولم تصب بصدمات اسعَ في تثبيت تلك المسلمات في عقلك لكي تكون لك زاداً عندما تعصف بك الدنيا 

وإن كنت من مرت بهم العواصف واصابك ما اصابك من الصدمات فعش حزنك ولكن لا تغرق به وابدأ بالسعي بخطوات بسيطة كي تستعيد وهجك

شكراً لحسن قراءتكم

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لماذا قُتلَ ابن عرس؟

كيف صياح الضحى ما تسمعونه؟

لماذا نشعر بضياع في هذي الحياة؟