وهم الاجتزاء
المقدمة:
عندما كنت طالبة بالجامعة كنت كثيراً ما اتذمر من الجو العام للجامعة وانه مرهق ومتعب بالنسبة لي وكان يأتي لي شخص اكبر مني بالعمر ويقول لي انظري حصل لك اليوم هذا الموقف وذاك الموقف وكلاهما مواقف جميلة ويقول لي هذا دليل أن الجامعة جميلة وأنكِ أنتِ مكبرة للمواضيع ومهولتها
وهذا قادني لسؤال هل نحكم على امر ما مثل الجامعة من مواقف صغيرة ام من التجربة الكلية التي خضناها؟ هذا ماسنتعرف عليه في هذه التدوينة
المحور الأول:وهم الاجتزاء
عندما نحكم على أمر ما من المواقف الصغيرة دون النظر لتجربة الكلية نصبح كأننا من يرى غرزة واحدة جميلة في ثوب مهترئ ويقول أن الثوب رائع هل تراه تفكير منطقي؟
بالنسبة لي اراه تفكير انتقائي فهو اختار المشهد الذي يعجبه وتجاهل المشاهد الاخرى وهل تعتقد أن تفكير كهذا سيساعدنا على النمو أم لا؟
فمن يعجب بغرزة واحدة في ثوب مهترئ لن يقوم بإصلاح الثوب بل سيعيش هو ينظر لتلك الغرزة فقط ويتجاهل الثوب كامل وقد يمنعه تأمله لتلك الغرزة من شراء ثوب آخر ارقى واجمل أو حتى اصلاح الثوب الذي بين يديه
وهذا يقودني لذلك الكلام الذي كثيراً ما يظهر امامي على منصات التواصل الاجتماعي الذي يقول فيما معناه لان النص نفسه لا يحضرني
ولكن كان يقول عندما كنت اسقط من الاعلى جذبتني الورود في الشرفة ويتم تداول هذا الكلام على أنه نظرة ايجابية وتفاؤل ولكن هل هو كذلك أم أننا نعيش في وهم الاجتزاء؟ وهل نظره لتلك الورود في الشرفة سيحميه من الارتطام فهو لا يزال سيسقط؟
المحور الثاني:لماذا يصر الآخرون على ارتداء النظارات الوردية؟
عند بحثي وجدت اسباب كثيرة ولكن هناك سبب واحد اقنعني وهو خوفهم من مواجهة الحقيقة
فبدل أن اواجه الحقيقة واعترف لنفسي أنني فعلاً اعاني من ذلك الأمر ابدأ بالبحث عن التفاصيل واصغر المواقف الجميلة ولكن هل هذا تفاؤل أم هروب من الحقيقة؟
النظارة الوردية قد تحمي عين مرتديها من الواقع القاسي لكنها لن تغير حقيقة أن الطريق طويل ووعر فعندما نعترف بالتعب لا يعني أننا سلبيين بل يعني أننا نملك الشجاعة لرؤية الثوب كما هو دون تجميل زائف
المحور الثالث:هل نعيش في سوداوية؟
بعد أن تكلمنا عن النظارات الوردية قد يأتي أحدهم ويقول إذاً هل هذا يعني أن نعيش في سوداوية؟
في تدوينتي هذه أنا لا أدعو لسوداوية بل ادعوكم لتتساءلوا هل التفاؤل السائد حالياً وتلك النظارات الوردية هي نظرة صحيحة للتفاؤل؟
ما هو التفاؤل؟
الشخص المتفائل هو شخص يرى الحفرة في الطريق فيحذر منها ويستعين بالله لتجاوزها فهو يرى الحفرة ويتألم لوجودها امامه ولكن يتفاءل بأن الله سيعينه على تجاوزها
أما من يرتدي النظارات الوردية ويعتقد أنه متفائل يلغي وجود الحفرة و ينظر للسماء ليتأمل جمالها بينما هو يسقط فيها فهو يلغي حقيقة أن هناك ما يؤلمه ولكن انكار الحفره بتفاؤل الزائف لا يلغي وجودها
فالتفاؤل الحقيقي هو رؤية الحقيقة الكاملة بمرها وحلوها مع اختيار الأمل كوقود ليحركنا
المحور الرابع:هل نحكم بالجزء أم بالكل؟
نعود لموضوعنا تجربة كتجربة الجامعة هل احكم عليها من المواقف الصغيرة أم من التجربة الكلية؟
التجربة الكلية هي المناخ الذي نعيش فيه هل هو صحي أم سام هل هو مناخ يشجع على النمو أم يستنزف الروح
في حين المواقف الصغيرة هي الطقس اليومي قد تحصل مواقف جميلة وتجعل الجو جميل وقد تحصل مواقف سيئة وتجعل الجو غير جيد ولكن الطقس العابر لا يغير من حقيقة المناخ العام
إذاً هنا هل يكون حكمنا حسب المناخ الكلي الذي يكون مستمر أم يكون حكمنا حسب الطقس اليومي الذي يتغير كل دقيقة؟
المواقف الصغيرة هي استراحات في طريق طويل ووعر وليست دليلاً على أن الطريق مفروش بالورود
وهذا يعني أننا سنستمتع بالمواقف الصغيرة لكننا لن نكذب على أنفسنا بشأن طبيعة المناخ الذي نعيش فيه
الخاتمة:
في الختام الجامعة أو أي تجربة كبرى هي رحلة طويلة والحكم عليها لا يكون بمشهد واحد جميل في هذه الرحلة بل حسب الرحلة كاملة وفي المرة القادمة التي يخبرك أحدهم أن الغرزة جميلة اسأل نفسك هل أنا مستعد لارتداء الثوب المهترئ من اجلها أم لا؟
شكراً لحسن قراءتكم
تعليقات
إرسال تعليق