هل الوعي جحيم ؟
المقدمة:
دائماً ما كانت هذه الكلمات تتردد على مسامعي وفي كل مجلس لدينا لا يخلو من شخص يذم الوعي وانه جحيم وهنالك ابيات للمتنبي يقول فيها ان من لديه عقل يشقى "ذو العقل يشقى في النعيم بعقله— واخو الجهالة في الشقاوة ينعم" وهناك فيض من الابيات والعديد من الاشخاص يذمون الوعي ويصفونه بأنه متعب ولكن هل هو كذلك؟ هذا ما سأناقشه في هذه التدوينة:
المحور الاول:الخلط بين الاستيقاظ من الغفلة والوعي
الاغلب يقول عندما اصبحت واعياً تعبت ولكن هل هو اصبح واعياً ام انه كان يعيش في غفلة ثم استيقظ من هذه الغفلة واستوعب أنه في هذه الدنيا لديه مسؤوليات يجب عليه معرفة كيف يتعامل معها
صدمة الاستيقاظ:
اغلب من يشتكي من جحيم الوعي هم في الحقيقة استيقظوا من هذه الغفلة
وهذه اليقظة بعد الغفلة تسبب صدمة لمن يمر بها فقد كان شخصاً مرتاح البال لا يحمل مسؤوليات ولا يهتم بتبعات قراراته هو فقط يعيش ولكن مع التقدم بالعمر يبدأ الشخص بإدراك أنه في هذه الدنيا لديه مسؤوليات وواجبات فهو هنا ظن انه بدأ يعاني من جحيم الوعي ولكن هو فقط وللمرة الاولى يرى الطريق الذي كان يسير فيه بوضوح
ففي لحظة إدراكه هذه يشعر بالألم لانه كان غافلاً واستيقظ وهو بظنه انه اصبح يعاني من جحيم الوعي ولكن هو فقط يعاني من الم الاستيقاظ وصدمة الانتقال من منطقة الراحة التي توفرها الغفلة الى منطقة المسؤولية التي يفرضها الادراك
المحور الثاني:ما هو الوعي؟
إذا كان الوعي جحيماً وشقاء كما يزعم البعض فهل كان الانبياء والصحابة والتابعون يعيشون في شقاء؟
إذا تدبرنا سيرتهم سنجد أن الوعي بالرسالة التي جاء بها الإسلام بدل حالهم من ضياع الجاهلية وضيقها الى سكينة الإيمان وسعة المعرفة ومع ذلك لم يكن وعيهم مجرداً من الثقل فلا يخفى على أحد ما واجهوه من تضحيات ومكابدة في سبيل إيصال هذا الدين لنا وهذا يوضح لنا أن الوعي الحقيقي قد يصاحبه تعب الجسد وثقل المسؤولية لكنه ابداً لا يؤدي إلى شقاء الروح أو عبثية العيش الوعي عندهم كان يمنح المعاناة معنى ويحول المشقة إلى طمأنينة
إذاً ماهو الوعي؟
الوعي هو القدرة على وضع الأمور في نصابها الصحيح والواعي الحقيقي هو من يدرك حجم المسؤولية التي لديه فيتحرك ليغير لا ليتحسر و الواعي الحقيقي هو من يفهم طبيعة الدنيا فيتعامل معها بمرونة ولا يتعامل معها بهلع وخوف ولا يتعامل مع كل ما يفقده على انه نهاية الدنيا لذا الوعي في جوهرة هو مفتاح الحرية لا قيدٌ للشقاء
المحور الثالث: هل نحن وصلنا للوعي؟
في ظني اننا عالقون بالمنتصف فلو افترضنا أن الحياة مراحل المرحلة الأولى هي الغفلة والمرحلة الثانية هي الاستيقاظ من الغفلة والمرحلة الثالثة هي الوعي نحن عالقون في مرحلة الاستيقاظ من الغفلة فنحن غادرنا الغفلة ولكن لم نصل بعد الى الوعي تمتاز مرحلة المنتصف بأننا نرى الحقائق ولكننا لا نملك بعد الادوات لتعامل مع هذه الحقائق
اذاً التعب الذي نشعر به هو تعب المتعلم الذي بدأ يرى العالم ولكن لم يتعلم بعد كيف يعيش فيه وعندما نتعلم كيف نعيش فيه ننتقل هنا الى الوعي
الخاتمة:
ما ارغب بإيصاله من هذه التدوينة هو أن الوعي ليس جحيماً بل هو راحة وسكينة ولكن لكي نبلغ هذه الراحة والسكينة يتعين علينا ان نمر بمرحلة الاستيقاظ من الغفلة والتي تُلزمُنا بان نعترف بجهلنا واننا لم نصل للوعي كما نزعم وتجعلنا ندرك اننا في هذه المرحلة متعلمون لا علماء وتستلزم هذه المرحلة منا اعترافاً صادقاً ان ما نمر به ليس جحيماً بل هو فقط الم رؤية الطريق بوضوح لأول مرة والم عدم امتلاكنا للادوات اللازمة للتعامل مع هذا الطريق
وشكراً لحسن قراءتكم
تعليقات
إرسال تعليق